Muslim Library

تفسير ابن كثر - سورة الأعراف - الآية 29

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) (الأعراف) mp3
قَوْله تَعَالَى " قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ " أَيْ بِالْعَدْلِ وَالِاسْتِقَامَة " وَأَقِيمُوا وُجُوهكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين " أَيْ أَمَرَكُمْ بِالِاسْتِقَامَةِ فِي عِبَادَته فِي مَحَالّهَا وَهِيَ مُتَابَعَة الْمُرْسَلِينَ الْمُؤَيَّدِينَ بِالْمُعْجِزَاتِ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ اللَّه وَمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الشَّرَائِع وَبِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي عِبَادَته فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَقَبَّل الْعَمَل حَتَّى يَجْمَع هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ أَنْ يَكُون صَوَابًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ وَأَنْ يَكُون خَالِصًا مِنْ الشِّرْك . وَقَوْله تَعَالَى " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " إِلَى قَوْله " الضَّلَالَة" اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " فَقَالَ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " يُحْيِيكُمْ بَعْد مَوْتكُمْ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ كَمَا بَدَأَكُمْ فِي الدُّنْيَا كَذَلِكَ تَعُودُونَ يَوْم الْقِيَامَة أَحْيَاء وَقَالَ قَتَادَة " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " قَالَ بَدَأَ فَخَلَقَهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا شَيْئًا ثُمَّ ذَهَبُوا ثُمَّ يُعِيدهُمْ وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ كَمَا بَدَأَكُمْ أَوَّلًا كَذَلِكَ يُعِيدكُمْ آخِرًا وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير وَأَيَّدَهُ بِمَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيث سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَشُعْبَة بْن الْحَجَّاج كِلَاهُمَا عَنْ الْمُغِيرَة بْن النُّعْمَان عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْعِظَةٍ فَقَالَ " يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا كَمَا بَدَأْنَا أَوَّل خَلْق نُعِيدهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" . وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَفِي حَدِيث الْبُخَارِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث الثَّوْرِيّ بِهِ . وَقَالَ وَرْقَاء بْن إِيَاس أَبُو يَزِيد عَنْ مُجَاهِد " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " قَالَ يُبْعَث الْمُسْلِم مُسْلِمًا وَالْكَافِر كَافِرًا وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " رُدُّوا إِلَى عِلْمه فِيهِمْ وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ كَمَا كَتَبَ عَلَيْكُمْ تَكُونُونَ وَفِي رِوَايَة كَمَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ تَكُونُونَ وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فِي قَوْله تَعَالَى" كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَى الشَّقَاوَة صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ عَلَيْهِ خَلْقه وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل السَّعَادَة وَمَنْ اِبْتَدَأَ خَلْقه عَلَى السَّعَادَة صَارَ إِلَى مَا اُبْتُدِئَ خَلْقه عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء كَمَا أَنَّ السَّحَرَة عَمِلُوا بِأَعْمَالِ أَهْل الشَّقَاء ثُمَّ صَارُوا إِلَى مَا اُبْتُدِئُوا عَلَيْهِ وَقَالَ السُّدِّيّ" كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " يَقُول " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ " كَمَا خَلَقْنَاكُمْ فَرِيق مُهْتَدُونَ وَفَرِيق ضَلَال كَذَلِكَ تَعُودُونَ وَتُخْرَجُونَ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة " قَالَ إِنَّ اللَّه تَعَالَى بَدَأَ خَلْق اِبْن آدَم مُؤْمِنًا وَكَافِرًا كَمَا قَالَ " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " ثُمَّ يُعِيدهُمْ يَوْم الْقِيَامَة كَمَا بَدَأَ خَلْقهمْ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا قُلْت وَيَتَأَيَّد هَذَا الْقَوْل بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ " فَوَاَلَّذِي لَا إِلَه غَيْره إِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار فَيَدْخُلهَا وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة فَيَدْخُل الْجَنَّة " وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الْبَغَوِيّ حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْجَعْد حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّان عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ الْعَبْد لَيَعْمَل فِيمَا يَرَى النَّاس بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل النَّار وَإِنَّهُ لَيَعْمَل فِيمَا يَرَى النَّاس بِعَمَلِ أَهْل النَّار وَإِنَّهُ مِنْ أَهْل الْجَنَّة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ " هَذَا قِطْعَة مِنْ حَدِيث الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي غَسَّان مُحَمَّد بْن مُطَرِّف الْمَدَنِيّ فِي قِصَّة قُزْمَان يَوْم أُحُد وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي اِبْن بَشَّار حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي سُفْيَان عَنْ جَابِر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " تُبْعَث كُلّ نَفْس عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ " . وَهَذَا الْحَدِيث رَوَاهُ مُسْلِم وَابْن مَاجَهْ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ الْأَعْمَش بِهِ وَلَفْظه " يُبْعَث كُلّ عَبْد عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ " وَعَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْله قُلْت وَيَتَأَيَّد بِحَدِيثِ اِبْن مَسْعُود قُلْت وَلَا بُدّ مِنْ الْجَمْع بَيْن هَذَا الْقَوْل إِنْ كَانَ هُوَ الْمُرَاد مِنْ الْآيَة وَبَيْن قَوْله تَعَالَى " فَأَقِمْ وَجْهك لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَة اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاس عَلَيْهَا " وَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ قَالَ " كُلّ مَوْلُود يُولَد عَلَى الْفِطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ" وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عِيَاض بْن حِمَار قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقُول اللَّه تَعَالَى : إِنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء فَجَاءَتْهُمْ الشَّيَاطِين فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينهمْ " الْحَدِيث وَوَجْه الْجَمْع عَلَى هَذَا أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ مِنْهُمْ مُؤْمِن وَكَافِر فِي ثَانِي الْحَال وَإِنْ كَانَ قَدْ فَطَرَ الْخَلْق كُلّهمْ عَلَى مَعْرِفَته وَتَوْحِيده وَالْعِلْم بِأَنَّهُ لَا إِلَه غَيْره كَمَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق بِذَلِكَ وَجَعَلَهُ فِي غَرَائِزهمْ وَفِطَرهمْ وَمَعَ هَذَا قَدَّرَ أَنَّ مِنْهُمْ شَقِيًّا وَمِنْهُمْ سَعِيدًا " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِر وَمِنْكُمْ مُؤْمِن " وَفِي الْحَدِيث " كُلّ النَّاس يَغْدُو فَبَائِع نَفْسه فَمُعْتِقهَا أَوْ مُوبِقهَا " . وَقَدَر اللَّه نَافِذ فِي بَرِيَّته فَإِنَّهُ هُوَ " الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى " وَ" الَّذِي أَعْطَى كُلّ شَيْء خَلْقه ثُمَّ هَدَى " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ" فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل السَّعَادَة وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاوَة فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْل الشَّقَاوَة " .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • قطيعة الرحم .. المظاهر - الأسباب - سبل العلاج

    قطيعة الرحم : فإن قطيعة الرحم ذنب عظيم، وجرم جسيم، يفصم الروابط، ويقطع الشواجر، ويشيع العداوة والشنآن، ويحل القطيعة والهجران. وقطيعة الرحم مزيلة للألفة والمودة، مؤذنة باللعنة وتعجيل العقوبة، مانعة من نزول الرحمة ودخول الجنة، موجبة للتفرد والصغار والذلة. وهي- أيضا - مجلبة لمزيد الهم والغم؛ ذلك أن البلاء إذا أتاك ممن تنتظر منه الخير والبر والصلة- كان ذلك أشد وقعا، وأوجع مسا، وأحد حدا، وألذع ميسما. والحديث في الصفحات التالية سيتناول قطيعة الرحم، وذلك من خلال ما يلي: - تعريف قطيعة الرحم. - مظاهر قطيعة الرحم. - أسباب قطيعة الرحم. - علاج قطيعة الرحم. - ما صلة الرحم؟ - بأي شيء تكون الصلة؟ - فضائل صلة الرحم. - الأمور المعينة على صلة الرحم.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117067

    التحميل:

  • صلاة الجماعة في ضوء الكتاب والسنة

    صلاة الجماعة في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه رسالة مختصرة في «صلاة الجماعة» بيّنت فيها: مفهوم صلاة الجماعة، وحكمها، وفوائدها، وفضلها، وفضل المشي إليها، وآداب المشي إليها، وانعقادها باثنين، وإدراكها بركعة، وأن صلاة الجماعة الثانية مشروعة لمن فاتته صلاة الجماعة الأولى مع الإمام، وأن من صلى ثم أدرك جماعة أعادها معهم نافلة، وأن المسبوق يدخل مع الإمام على أي حال وجده، ولكن لا يعتد بركعة لا يدرك ركوعها، ويصلي ما بقي من صلاته إذا سلم إمامه. وقرنتُ كلَّ مسألة بدليلها».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1922

    التحميل:

  • كيف نربي أطفالنا

    قالت المؤلفة: للمربي الناجح صفات كلما ازداد منها زاد نجاحه في تربية ولده بعد توفيق الله، وقد يكون المربي أباً أو أماً أو أخاً أو أختاً أو عماً أو جداً أو خالاً، أو غير ذلك، وهذا لا يعني أن التربية تقع على عاتق واحد، بل كل من حول الطفل يسهم في تربيته وإن لم يقصد.

    الناشر: موقع معرفة الله http://knowingallah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/370716

    التحميل:

  • والثمن الجنة

    والثمن الجنة: قال المصنف - حفظه الله -: «بين يديك - أخي القارئ - الجزء الثاني من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «والثمن الجنة» الذي يتحدث عن موضوع مهم ألا وهو الصلاة، التي فرط فيها بعض الناس وتهاون بها البعض الآخر. ونحن في زمن الضعف والتكاسل والتشاغل أحببت ذكر همم من كان قبلنا ومسارعته لأداء هذه الفريضة العظيمة حتى تكون محيية للقلوب محركة للنفوس مقوية للعزائم».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/208978

    التحميل:

  • تفسير سورة الناس

    تفسير سورة الناس: تفسير مختصر ماتع من اختصار الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب لسورة الناس من تفسير الإمام ابن القيم - رحمهما الله تعالى -، وليس هو بالطويل المُمل ولا بالقصير المُخِلّ.

    المدقق/المراجع: فهد بن عبد الرحمن الرومي

    الناشر: مؤسسة الرسالة ببيروت http://www.resalah.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/364169

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة