Muslim Library

تفسير ابن كثر - سورة المائدة - الآية 19

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) (المائدة) mp3
يَقُول تَعَالَى مُخَاطِبًا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِأَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُوله مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَاتِم النَّبِيِّينَ الَّذِي لَا نَبِيّ بَعْده وَلَا رَسُول بَلْ هُوَ الْمُعَقِّب لِجَمِيعِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ " عَلَى فَتْرَة مِنْ الرُّسُل " أَيْ بَعْد مُدَّة مُتَطَاوِلَة مَا بَيْن إِرْسَاله وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ . وَقَدْ اِخْتَلَفُوا فِي مِقْدَار هَذِهِ الْفَتْرَة كَمْ هِيَ فَقَالَ أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ وَقَتَادَة فِي رِوَايَة عَنْهُ : كَانَتْ سِتّمِائَةِ سَنَة . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ وَعَنْ قَتَادَة خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَة وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ : خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَة وَقَالَ الضَّحَّاك : أَرْبَعُمِائَةٍ وَبِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَة وَذَكَرَ اِبْن عَسَاكِر فِي تَرْجَمَة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّهُ قَالَ : وَمِنْ رَفْع الْمَسِيح إِلَى هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعُمِائَةٍ وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ سَنَة وَالْمَشْهُور هُوَ الْقَوْل الْأَوَّل وَهُوَ أَنَّهَا سِتُّمِائَةِ سَنَة وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَة وَلَا مُنَافَاة بَيْنهمَا فَإِنَّ الْقَائِل الْأَوَّل أَرَادَ سِتّمِائَةِ سَنَة شَمْسِيَّة وَالْآخَر أَرَادَ قَمَرِيَّة وَبَيْن كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ وَبَيْنَ الْقَمَرِيَّةِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّة أَهْل الْكَهْف" وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا" أَيْ قَمَرِيَّة لِتَكْمِيلِ ثَلَاثِمِائَةٍ الشَّمْسِيَّة الَّتِي كَانَتْ مَعْلُومَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَتْ الْفَتْرَةُ بَيْن عِيسَى اِبْن مَرْيَم آخِرِ أَنْبِيَاء بَنِي إِسْرَائِيل وَبَيْن مُحَمَّد خَاتِم النَّبِيِّينَ مِنْ بَنِي آدَم عَلَى الْإِطْلَاق كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِابْنِ مَرْيَم لَأَنَا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ " وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بُعِثَ بَعْد عِيسَى نَبِيٌّ يُقَال لَهُ خَالِد بْن سِنَان كَمَا حَكَاهُ الْقُضَاعِيّ وَغَيْره وَالْمَقْصُود أَنَّ اللَّه بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَتْرَة مِنْ الرُّسُل وَطُمُوس مِنْ السُّبُل وَتَغَيُّر الْأَدْيَان وَكَثْرَة عِبَادَة الْأَوْثَان وَالنِّيرَان وَالصُّلْبَان فَكَانَتْ النِّعْمَة بِهِ أَتَمَّ النِّعَم وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ أَمْرٌ عَمَمٌ فَإِنَّ الْفَسَاد كَانَ قَدْ عَمَّ جَمِيع الْبِلَاد وَالطُّغْيَان وَالْجَهْل قَدْ ظَهَرَ فِي سَائِر الْعِبَاد إِلَّا قَلِيلًا مِنْ الْمُتَمَسِّكِينَ بِبَقَايَا مِنْ دِين الْأَنْبِيَاء الْأَقْدَمِينَ مِنْ بَعْض أَحْبَار الْيَهُود وَعُبَّاد النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد حَدَّثَنَا هِشَام حَدَّثَنَا قَتَادَة عَنْ مُطَرِّف عَنْ عِيَاض بْن حِمَار الْمُجَاشِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ ذَات يَوْم فَقَالَ فِي خُطْبَته وَإِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمكُمْ مِمَّا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي يَوْمِي هَذَا كُلّ مَال نَحَلْته عِبَادِي حَلَال لِأَنِّي خَلَقْت عِبَادِي حُنَفَاء كُلّهمْ , وَإِنَّ الشَّيَاطِين أَتَتْهُمْ فَأَضَلَّتْهُمْ عَنْ دِينهمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْت لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّل بِهِ سُلْطَانًا ثُمَّ إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض فَمَقَتَهُمْ عَرَبهمْ وَعَجَمهمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُك لِأَبْتَلِيَك وَأَبْتَلِيَ بِك وَأَنْزَلْت عَلَيْك كِتَابًا لَا يَغْسِلهُ الْمَاء تَقْرَأهُ نَائِمًا وَيَقْظَانًا ثُمَّ إِنَّ اللَّه أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْت : يَا رَبّ إِذَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً فَقَالَ : اِسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اِسْتَخْرَجُوك وَاغْزُهُمْ نُغْزِك وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ فَسَنُنْفِقُ عَلَيْك وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَث خَمْسًا أَمْثَاله وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَك مَنْ عَصَاك وَأَهْل الْجَنَّة ثَلَاثَة : ذُو سُلْطَان مُقْسِط مُوَفَّق مُتَّصِلًا وَرَجُل رَحِيم رَقِيق الْقَلْب بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِم وَرَجُل عَفِيف فَقِير ذُو عِيَال مُتَصَدِّق وَأَهْل النَّار خَمْسَة : الضَّيْف الَّذِي لَا دِين لَهُ وَاَلَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ أَوْ تَبَعًا - شَكَّ يَحْيَى - لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا وَالْخَائِن الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ وَرَجُل لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُك عَنْ أَهْلِك وَمَالِك وَذَكَرَ الْبُخْل أَوْ الْكَذِب وَالشِّنْظِيرَ الْفَاحِش ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ غَيْر وَجْه عَنْ قَتَادَة عَنْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير . وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَنْ قَتَادَة التَّصْرِيح بِسَمَاعِ قَتَادَة هَذَا الْحَدِيث مِنْ مُطَرِّف وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَام أَحْمَد فِي مُسْنَده أَنَّ قَتَادَة لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ مُطَرِّف وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ أَرْبَعَة عَنْهُ ثُمَّ رَوَاهُ هُوَ عَنْ رَوْح عَنْ عَوْف عَنْ حَكِيم الْأَثْرَم عَنْ الْحَسَن قَالَ : حَدَّثَنِي مُطَرِّف عَنْ عِيَاض بْن حَمَّاد فَذَكَرَهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث غُنْدَر عَنْ عَوْف الْأَعْرَابِيّ بِهِ وَالْمَقْصُود مِنْ إِيرَاد هَذَا الْحَدِيث قَوْله : لِأَنَّ اللَّه نَظَرَ إِلَى أَهْل الْأَرْض فَمَقَتَهُمْ عَجَمهمْ وَعَرَبهمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَفِي لَفْظ مُسْلِم مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَكَانَ الدِّين قَدْ اِلْتَبَسَ عَلَى أَهْل الْأَرْض كُلّهمْ حَتَّى بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَدَى الْخَلَائِق وَأَخْرَجَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَتَرَكَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّة الْبَيْضَاء وَالشَّرِيعَة الْغَرَّاء وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلَا نَذِير " أَيْ لِئَلَّا تَحْتَجُّوا وَتَقُولُوا يَا أَيّهَا الَّذِينَ بَدَّلُوا دِينهمْ وَغَيَّرُوهُ مَا جَاءَنَا مِنْ رَسُول يُبَشِّر بِالْخَيْرِ وَيُنْذِر مِنْ الشَّرّ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِير وَنَذِير يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير" قَالَ اِبْن جَرِير مَعْنَاهُ : إِنِّي قَادِر عَلَى عِقَاب مَنْ عَصَانِي وَثَوَاب مَنْ أَطَاعَنِي .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • السمو

    السمو: فإن علو الهمة وسمو الروح مطلب شرعي ومقصد إنساني، أجمع عليه العقلاء، واتفق عليه العارفون، والمطالب العالية أمنيات الرواد، ولا يعشق النجوم إلا صفوة القوم، أما الناكصون المتخاذلون فقد رضوا بالدون، وألهتمهم الأماني حتى جاءهم المنون، فليس لهم في سجل المكارم اسم، ولا في لوح المعالي رسم. وقد أردتُ بكتابي هذا إلهاب الحماس، وبث روح العطاء، وإنذار النائمين بفيالق الصباح، والصيحة في الغافلين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/324353

    التحميل:

  • أصول عظيمة من قواعد الإسلام

    أصول عظيمة من قواعد الإسلام: فهذه دُرَّةٌ فريدة وتُحفة جديدة من دُرر وفوائد العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله تعالى - النفيسة التي لم تُنشر بعدُ، .. وبناها على خمس قواعد عظيمة عليها قيام هذا الدين، وبسطَ القولَ في هذه القواعد شرحًا وبيانًا، وذكرًا للشواهد والدلائل، وإيضاحًا للثمار والآثار، بأسلوبه العلمي البديع المعهود منه - رحمه الله -. ويلي هذه الرسالة: منظومةٌ للشيخ - رحمه الله - تُنشر لأول مرة، جمعت أقسام التوحيد وأمهات عقائد أهل السنة والجماعة التي اتفقوا عليها، واسمها: منهج الحق: منظومة في العقيدة والأخلاق.

    المدقق/المراجع: عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

    الناشر: موقع الشيخ عبد الرزاق البدر http://www.al-badr.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/348310

    التحميل:

  • نساؤنا إلى أين

    نساؤنا إلى أين : بيان حال المرأة في الجاهلية، ثم بيان حالها في الإسلام، ثم بيان موقف الإسلام من عمل المرأة، والآثار المترتبة على خروج المرأة للعمل، ثم ذكر بعض مظاهر تغريب المرأة المسلمة.

    الناشر: مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/166704

    التحميل:

  • ثلاث رسائل للشيخ السعدي

    ثلاث رسائل للشيخ السعدي : يحتوي هذا الكتاب على ثلاث رسائل وهي: الأولى: حكم إجزاء سُبع البدنة والبقرة عن الشاة في الإهداء وغيره. الثانية: نبذة من آداب المعلمين والمتعلمين. الثالثة: نبذة مختصرة إجمالية عن الإسلام والإشارة إلى مهمات محاسنه.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/205544

    التحميل:

  • وثلث لطعامك

    وثلث لطعامك: قال المصنف - حفظه الله -: «فإن الله خلقنا لأمر عظيم, وسخر لنا ما في السموات والأرض جميعًا منه, وسهل أمر العبادة, وأغدق علينا من بركات الأرض؛ لتكون عونًا على طاعته. ولتوسع الناس في أمر المأكل والمشرب حتى جاوزوا في ذلك ما جرت به العادة, أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء بأهمية هذه النعمة ووجوب شكرها وعدم كفرها. وهذا هو الجزء «الثامن عشر» من سلسلة «أين نحن من هؤلاء؟» تحت عنوان «وثلثٌ لطعامك»».

    الناشر: دار القاسم - موقع الكتيبات الإسلامية http://www.ktibat.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/229618

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة