Muslim Library

تفسير القرطبي - سورة هود - الآية 1

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) (هود) mp3
سُورَة هُود : مَكِّيَّة إِلَّا الْآيَات 114 - 17 - 12 فَمَدَنِيَّة وَآيَاتهَا 123 نَزَلَتْ بَعْد يُونُس

مَكِّيَّة فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَجَابِر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : إِلَّا آيَة ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَقِمْ الصَّلَاة طَرَفَيْ النَّهَار " [ هُود : 114 ] . وَأَسْنَدَ أَبُو مُحَمَّد الدَّارِمِيّ فِي مُسْنَده عَنْ كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اِقْرَءُوا سُورَة هُود يَوْم الْجُمُعَة ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ أَبُو بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : يَا رَسُول اللَّه قَدْ شِبْت ! قَالَ : ( شَيَّبَتْنِي هُود وَالْوَاقِعَة وَالْمُرْسَلَات وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ ) . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب , وَقَدْ رُوِيَ شَيْء مِنْ هَذَا مُرْسَلًا . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه فِي " نَوَادِر الْأُصُول " : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بِشْر عَنْ عَلِيّ بْن صَالِح عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي جُحَيْفَة قَالَ : قَالُوا يَا رَسُول اللَّه نَرَاك قَدْ شِبْت ! قَالَ : ( شَيَّبَتْنِي هُود وَأَخَوَاتهَا ) . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : فَالْفَزَع يُورِث الشَّيْب وَذَلِكَ أَنَّ الْفَزَع يُذْهِل النَّفْس فَيُنَشِّف رُطُوبَة الْجَسَد , وَتَحْت كُلّ شَعْرَة مَنْبَع , وَمِنْهُ يَعْرَق , فَإِذَا اِنْتَشَفَ الْفَزَع رُطُوبَته يَبِسَتْ الْمَنَابِع فَيَبِسَ الشَّعْر وَابْيَضَّ ; كَمَا تَرَى الزَّرْع الْأَخْضَر بِسِقَائِهِ , فَإِذَا ذَهَبَ سِقَاؤُهُ يَبِسَ فَابْيَضَّ ; وَإِنَّمَا يَبْيَضّ شَعْر الشَّيْخ لِذَهَابِ رُطُوبَته وَيُبْس جِلْده , فَالنَّفْس تَذْهَل بِوَعِيدِ اللَّه , وَأَهْوَال مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَر عَنْ اللَّه , فَتَذْبُل , وَيُنَشِّف مَاءَهَا ذَلِكَ الْوَعِيد وَالْهَوْل الَّذِي جَاءَ بِهِ ; فَمِنْهُ تَشِيب . وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : " يَوْمًا يَجْعَل الْوِلْدَان شِيبًا " [ الْمُزَّمِّل : 17 ] فَإِنَّمَا شَابُوا مِنْ الْفَزَع . وَأَمَّا سُورَة " هُود " فَلَمَّا ذَكَرَ الْأُمَم , وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَاجِل بَأْس اللَّه تَعَالَى , فَأَهْل الْيَقِين إِذَا تَلَوْهَا تَرَاءَى عَلَى قُلُوبهمْ مِنْ مُلْكه وَسُلْطَانه وَلَحَظَاته الْبَطْش بِأَعْدَائِهِ , فَلَوْ مَاتُوا مِنْ الْفَزَع لَحَقَّ لَهُمْ ; وَلَكِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اِسْمه يَلْطُف بِهِمْ فِي تِلْكَ الْأَحَايِين حَتَّى يَقْرَءُوا كَلَامه . وَأَمَّا أَخَوَاتهَا فَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ السُّوَر ; مِثْل " الْحَاقَّة " [ الْحَاقَّة : 1 ] و " سَأَلَ سَائِل " [ الْمَعَارِج : 1 ] و " إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ " [ التَّكْوِير : 1 ] و " الْقَارِعَة " [ الْقَارِعَة : 1 ] , فَفِي تِلَاوَة هَذِهِ السُّوَر مَا يَكْشِف لِقُلُوبِ الْعَارِفِينَ سُلْطَانه وَبَطْشه فَتَذْهَل مِنْهُ النُّفُوس , وَتَشِيب مِنْهُ الرُّءُوس . [ قُلْت ] وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الَّذِي شَيَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سُورَة " هُود " قَوْله : " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت " [ هُود : 112 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ يَزِيد بْن أَبَان : رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَنَامِي فَقَرَأْت عَلَيْهِ سُورَة " هُود " فَلَمَّا خَتَمْتهَا قَالَ : ( يَا يَزِيد هَذِهِ الْقِرَاءَة فَأَيْنَ الْبُكَاء ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : يُقَال هَذِهِ هُود فَاعْلَمْ بِغَيْرِ تَنْوِين عَلَى أَنَّهُ اِسْم لِلسُّورَةِ ; لِأَنَّك لَوْ سَمَّيْت اِمْرَأَة بِزَيْدٍ . لَمْ تُصْرَف ; وَهَذَا قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ . وَعِيسَى بْن عُمَر يَقُول : هَذِهِ هُود بِالتَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ اِسْم لِلسُّورَةِ ; وَكَذَا إِنْ سَمَّى اِمْرَأَة بِزَيْدٍ ; لِأَنَّهُ لَمَّا سَكَنَ وَسَطه خَفَّ فَصُرِفَ , فَإِنْ أَرَدْت الْحَذْف صَرَفْت عَلَى قَوْل الْجَمِيع , فَقُلْت : هَذِهِ هُود وَأَنْتَ تُرِيد سُورَة هُود ; قَالَ سِيبَوَيْهِ : وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّك تَقُول هَذِهِ الرَّحْمَن , فَلَوْلَا أَنَّك تُرِيد هَذِهِ سُورَة الرَّحْمَن مَا قُلْت هَذِهِ .

قَالَ النَّحَّاس : قُرِئَ عَلَى اِبْن جَعْفَر أَحْمَد بْن شُعَيْب بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن حُرَيْث قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيد أَنَّ عِكْرِمَة حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : الر , وحم , وَنُون , حُرُوف الرَّحْمَن مُفَرَّقَة ; فَحَدَّثْت بِهِ الْأَعْمَش فَقَالَ : عِنْدك أَشْبَاه هَذَا وَلَا تُخْبِرنِي بِهِ ؟ وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : " الر " أَنَا اللَّه أَرَى . قَالَ النَّحَّاس : وَرَأَيْت أَبَا إِسْحَاق يَمِيل إِلَى هَذَا الْقَوْل ; لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكَى عَنْ الْعَرَب وَأَنْشَدَ : بِالْخَيْرِ خَيْرَات إِنْ شَرًّا فَا وَلَا أُرِيد الشَّرّ إِلَّا أَنْ تَا وَقَالَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة " الر " قَسَم . وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة : " الر " اِسْم السُّورَة ; قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ هِجَاء فِي الْقُرْآن . وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ فَوَاتِح السُّوَر . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هِيَ تَنْبِيه , وَكَذَا حُرُوف التَّهَجِّي . وَقُرِئَ " الر " مِنْ غَيْر إِمَالَة . وَقُرِئَ بِالْإِمَالَةِ لِئَلَّا تُشْبِه مَا وَلَا مِنْ الْحُرُوف .



بِمَعْنَى هَذَا كِتَاب .



فِي مَوْضِع رَفْع نَعْت لِ" كِتَاب " . وَأَحْسَن مَا قِيلَ فِي مَعْنَى " أُحْكِمَتْ آيَاته " قَوْل قَتَادَة أَيْ جُعِلَتْ مُحْكَمَة كُلّهَا لَا خَلَل فِيهَا وَلَا بَاطِل . وَالْإِحْكَام مَنْع الْقَوْل مِنْ الْفَسَاد , أَيْ نُظِمَتْ نَظْمًا مُحْكَمًا لَا يَلْحَقهَا تَنَاقُض وَلَا خَلَل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ لَمْ يَنْسَخهَا كِتَاب , بِخِلَافِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى : أَحْكَمَ بَعْض آيَاته بِأَنْ جَعَلَ نَاسِخًا غَيْر مَنْسُوخ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ . وَقَدْ يَقَع اِسْم الْجِنْس عَلَى النَّوْع ; فَيُقَال : أَكَلْت طَعَام زَيْد ; أَيْ بَعْض طَعَامه . وَقَالَ الْحَسَن وَأَبُو الْعَالِيَة : " أُحْكِمَتْ آيَاته " بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي .


بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب . وَقَالَ قَتَادَة : أَحْكَمَهَا اللَّه مِنْ الْبَاطِل , ثُمَّ فَصَّلَهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَام . مُجَاهِد : أُحْكِمَتْ جُمْلَة , ثُمَّ بُيِّنَتْ بِذِكْرِ آيَة آيَة بِجَمِيعِ مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ الدَّلِيل عَلَى التَّوْحِيد وَالنُّبُوَّة وَالْبَعْث وَغَيْرهَا . وَقِيلَ : جُمِعَتْ فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ , ثُمَّ فُصِّلَتْ فِي التَّنْزِيل . وَقِيلَ : " فُصِّلَتْ " أُنْزِلَتْ نَجْمًا نَجْمًا لِتُتَدَبَّر . وَقَرَأَ عِكْرِمَة " فُصِلَتْ " مُخَفَّفًا أَيْ حُكِمَتْ بِالْحَقِّ .



أَيْ مِنْ عِنْد .


أَيْ مُحْكِم لِلْأُمُورِ .


بِكُلِّ كَائِن وَغَيْر كَائِن .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • الجهاد في سبيل الله في ضوء الكتاب والسنة

    الجهاد في سبيل الله في ضوء الكتاب والسنة: قال المصنف - حفظه الله -: «فهذه كلمات مختصرات في «الجهاد في سبيل الله تعالى»، بَيَّنْتُ فيها: مفهوم الجهاد، وحكمه، ومراتبه، وضوابطه، وأنواع الجهاد في سبيل الله، وأهدافه، والحكمة من مشروعيته، وفضله، والترهيب مِن ترك الجهاد في سبيل الله، وبيان شهداء غير المعركة، وأسباب وعوامل النصر على الأعداء».

    الناشر: المكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات بالربوة http://www.IslamHouse.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1921

    التحميل:

  • الإناقة في الصدقة والضيافة [ إكرام الضيف وفضل الصدقات ]

    الإناقة في الصدقة والضيافة : يحتوي هذا الكتاب على قسمين: الأول: عن الضيافة وآدابها. الثاني: عن الصدقة وأحكامها. والكتاب نسخة مصورة من إصدار مكتبة القرآن، بتحقيق الشيخ مجدي فتحي السيد - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/117126

    التحميل:

  • شرح كشف الشبهات [ خالد المصلح ]

    كشف الشبهات : رسالة نفيسة كتبها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهي عبارة عن سلسلة شبهات للمشركين وتفنيدها وإبطالها، وفيها بيان توحيد العبادة وتوحيد الألوهية الذي هو حق الله على العباد، وفيها بيان الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية والعبادة، وقد قام عدد من أهل العلم بشرحها وبيان مقاصدها، وفي هذه الصفحة تفريغ للدروس التي ألقاها الشيخ خالد المصلح.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/305088

    التحميل:

  • المتحابين في الله

    « المتحابين في الله » يحتوي هذا الكتاب على العديد من العناصر، منها: كيف تكون المحبة في الله؟، ومعناها، ومكانتها ... إلخ من المسائل المهمة والتي ساقها المصنف بإسناده، والكتاب نسخة مصورة من إصدار مكتبة القرآن، بتحقيق الشيخ مجدي فتحي السيد - حفظه الله -.

    المدقق/المراجع: مجدي فتحي السيد

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/55322

    التحميل:

  • هكذا تدمر الجريمة الجنسية أهلها

    هكذا تدمر الجريمة الجنسية أهلها : رسالة مختصرة تبين جزاء الزناة والزواني، وآثار الزنى وعواقبه، وأسباب جريمة الزنا، وشروط المغفرة.

    الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع بالرياض - شبكة الألوكة http://www.alukah.net

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/265564

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة